تدويناتي تدويناتي
recent

آخر الأخبار

recent
recent
جاري التحميل ...
recent

مناقشة هادئة لقضية نصر أبو زيد ..(2)


لاأكون مبالغا لو قلت بأننا لو طبقنا الآن أحكام الردة كما وردت فى فقه المذاهب الإسلامية المعتمدة والتى تدرس فى الأزهر الشريف وجامعة الملك عبد العزيز لذهبنا بـالأغلبية الساحقة من النخب السياسية والمثقفة فى بلدان العالم الإسلامي إلى حبل المشنقة بتهمة الإرتداد عن الدين الإسلامى .. أو على أقل تقدير لشهدنا أكبر عملية تطليق وتفريق جماعى بين هذه النخب وبين زوجاتهم .. ولهذا فأنا أعجب أشد مايكون العجب من شكرى أحمد مصطفى زعيم جماعات التكفير والهجرة لماذا لجأ إلى فكر الخوارج وعنده فى المذاهب الأربعة وغيرها مايشفى غليله ويروى عليله .. ثم أعجب أشد مايكون العجب للحكم الذى أصدرته محكمة النقض بالردة على نصر أبو زيد بالذات ، وبالتفريق بينه وبين زوجته ، مع أن ثمة ظاهرة ردة جماعية على مستوى النخب السياسية والمثقفة تشهدها أكثر بلدان العالم الإسلامي اليوم أو كماقال أبو الحسن الندوى ردة ولا أبا بكر لها ؟؟
سطر واحد من سطور الفقه التى يتداولها الآن علماء الأزهر الشريف .. يكفى لتكفير هذه النخب التى فقدت ايمانها بربها .. خذ مثلا .. استحلال تلك النخب لأغلب المحرمات والفواحش المجمع على تحريمها والتى لايعذر مسلم بجهلها .. فما بالنا إذا كانت تلك النخب لاتعتقد باستحلال تلك المحرمات فحسب .. بل وتعتبرها جزءا من مشروعها الحضارى الذى يشكل وجدانها الفكرى والثقافي ؟؟
ولو سألت فضيلة شيخ الأزهر أو الشيخ عطية صقر مثلا عن حكم الذى يعتقد أن فن الباليه حلال أو أن رقص المرأة عارية أمام الرجال - ولو فى دار الأوبرا حلال وجائز .. أو حكم من يعتقد ويدعو إلى إباحة رسم النساء وهن عاريات تماما .. أو أن استحمامهن عاريات على الشواطىء لابأس به بل هو الذى يتماشى مع الذوق والتحضر .. لقال لك إنه يكفر بالله قطعا .. لكن عند التطبيق العملى لن تحس منهم من أحد أو تسمع ركزا .. وقس على ذلك إباحة النخب أو استباحتها لجملة من الفنون التى تتعارض مع شريعة الإسلام وإلى غير ذلك ؟؟ ناهيك عن حكم المتآمرين على الشريعة الإسلامية والمنكرين لحقائق ايمانية وقرآنية كثيرة .. مثل الإعتقاد بصحة دين اليهود أو النصارى !!
ولذلك كان من الطبيعى جدا أن تنظر تلك النخب .. إلى حكم محكمة النقض بردة مفكر أو كاتب مثل نصر أبو زيد وبالتفريق بينه وبين زوجته .. بأنه حكم شاذ بل مصيبة حضارية كبرى .. لكن الأمر كان سيختلف تماما لو كان للإسلام دولة قائمة على أسس إيمانية سليمة .. فحكم الردة بالذات من الأحكام التى لايمكن قبولها ولاتطبيقها إلا فى كنف دولة إسلامية تقيم الدين وتطبق شريعته ؟؟
ومن هنا يأتى خطأ محكمة النقض فى حكمها بردة نصر أبو زيد .. إذ أنه صدر يقينا فى أجواء غير طبيعية وفى ظل ظروف غير مهيأة له على الإطلاق .. أو نستطيع بلغة أهل الأصول أن نقول بأن هذا حكم المحكمة قد أسقط الجانب الوضعى من الحكم .. إذ أن الأحكام الشرعية تنقسم إلى أحكام تكليفية وهى خمسة الحرام والمكروه والواجب والمندوب والمباح .. وكثير من تلك الأحكام التكليفية لايمكن أن تصدر بمعزل عن الحكم الوضعى المتعلق بها .. من حيث الأسباب والشروط والموانع .. بحيث إذا وجد السبب أو الأمارة على وجوب الفعل وتحققت شروط تطبيقه وزال المانع .. ترتب على الفعل الأثر الشرعى له فلو قلنا مثلا أن أداء الزكاة واجب شرعى .. إلا أن هذا الواجب ليس مطلق .. بل لابد له من سبب وهو توافر النصاب ، وشرط وهو مرور حول كامل على هذا النصاب .. وانتفاء المانع .. هو عدم وجوب دين أو نفقة على صاحب المال .. وهكذا حكم إقامة حد الردة .. يتوقف على ظهور السبب وهو ظهور دولة الإسلام التى يحكمها خيار اجتماعى حر .. مجتمع تحكمه التصورات والقيم الإسلامية وتعلوه أحكام الشريعة .. وإلا فلا مجال لتطبيق حكم الردة فى مجتمع لايميز فيه بين الكافر والمؤمن .. بل ويحتفى فى أحيان كثيرة بالمرتد والكافر والملحد والفاسق والعاهرة أكثر من احتفائه بالمسلم المتدين إن كانت تحتفى به أصلا .. ناهيك عن عدم وجود السلطة السياسية المسلمة التى يتوجه إليها أفراد المجتمع بالإذعان والطاعة السياسية وفقا لأحكام الدين .. إذ من الممكن جدا أن يقال حينئذ :(( ربما تحول كثير من المرتدين تحت سلطان السيف والسنان (( لو وجدا )) إلى منافقين يتخذون أيمانهم جنة ووقاية من سيف القانون .. ثم يحسن إسلامهم .. أو تعصم دماؤهم وأموالهم بالنفاق ؟؟
والخلاصة التى أود أن انتهى إليها .. أننا نعيش فى مجتمع دعوة وليس فى مجتمع دولة إسلامية .. وبالتالى لامجال الآن للحديث على تطبيق الحدود أو قتل المرتدين .. أو التوسع فى تكفير ضحايا عصر العولمة والبلبلة الفكرية والثقافية التى يـمر بها المجتمع الإسلامى .. مع ضرورة الحذر من من تبادل الإتهام بالكفر ، إذ أن المسألة قد تتحول إلى شهوة للتخلص من الخصوم ، مما يجعل الخطر ماثلا فوق رأس الجميع .. ناهيك عن المحاذير الشرعية التى شددت على هذا الأمر .. لكن ذلك لايعنى الإقلاع مطلقا عن تكفير الكافر أو المرتد والإعتقاد بذلك ضرورة شرعية ، لأنه عندما يفقد المجتمع الإسلامي القدرة على التمييز بين المؤمن والكافر يسقط الدين كله ، العقيدة قبل الشريعة .. يقول أبو حنيفة رحمه الله ( من قال لاأعرف الكافر كافرا فهو مثله ) أى إذا ظهر منه الكفر على سبيل الجزم والقطع .. مع ضرورة ملاحظة الفروق الموضوعية بين الإتهام بالكفر وهو من حق أى انسان وفقا لقاعدة المتهم برىء حتى تثبت إدانته ، ثم الحكم بالكفر على الشخص المعين وهو من حق القاضى وحده ، ثم تطبيق حد الردة ولايكون ذلك أبدا إلا فى ظلال سلطة الدولة الإسلامية وحدها ،
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،
بقلم : محمد شعبان الموجى

التعليقات



جميع الحقوق محفوظة

تدويناتي

2016